تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

239

نظرية المعرفة

الحق ، فإنّما يصحّ في القسم الثاني - على ما سنشرحه - لا الأول . فإنّ لغلبة فرد أو طائفة أو دولة على مثلها عوامل كثيرة لا صلة لها بالحق والباطل . نعم ، إذا كان اقتفاء منهج سبباً لغلبة أصحاب المنهج الآخر ، فهذا من آيات أحقيّة المنهج الغالب وبطلان المنهج المغلوب ، كما يشير إليه قوله تعالى : « وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً » « 1 » ، وإليك البيان : نحن نرى في الحياة أنّ طائفة تثور على طائفة أُخرى وتتغلّب عليها ، وقد يتصور الإنسان الساذج أنّ الغلبة هنا ، غلبة منهاج على منهاج ، ولكن كثيراً ما يتفق أن يكون من قبيل غلبة طائفة على طائفة من دون أن يكون لأيّ المنهجين اللّذين تتبناهما أو تنسب إليهما كل طائفة ، أدنى دخالة في تلك الغلبة والمغلوبية . ولأجل إيضاح الحال نمثّل بمثالين : المثال الأوّل : كان الصراع بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، ومعاوية ، صراعاً عنيفاً ، استمرّ عدّة سنين ، وانتهى بانتصار جيش معاوية ، وانهزام جيش علي عليه السلام « 2 » . ولا ريب أنّ علياً كان على الحق ، ومعاوية على الباطل حيث تمرّد على وصي النبي أوّلًا ، ومُنْتَخَب المهاجرين والأنصار ثانياً ، فكيف تُفَسَّر إذن هذه الغلبة ؟ إنّ هذه الغلبة لم تكن غلبة منهج على منهج ، بل كانت من قبيل غلبة طائفة على طائفة ، وهناك فروض متعددة يمكن الاستعانة بها على تفسير هذه الغلبة ، مثل أن يقال : إنّ الشاميين تغلبوا على العراقيين ، أو إنّ العراقيين ، لتخلّفهم عن منهاج الإمام علي عليه السلام ، حالفتهم الهزيمة . والوقائع التاريخية تشهد على ذلك ، كيف وقد كان علي عليه السلام يشتكي من أهل العراق تخاذلهم عنه ، وتقاعسهم عن حقّه . يقول عليه السلام في إحدى خُطَبه لهم : « إنّي واللَّه لأَظنُّ أنّ هؤلاء القوم

--> ( 1 ) . الإسراء : 81 . ( 2 ) . لقد كان عليٌّ عليه السلام يخبر عن النتيجة المرّة قبل وقوعها ، نظير قوله في إحدى خطبه : « أما واللَّه ليسلطنّ عليكم غلام ثقيف ، الذيّال الميّال ، يأكل خَضِرَتَكُمْ ، ويزيل شَحْمَتَكُمْ » لاحظ نهج البلاغة ، الخطبة 116 .